أشخاص اتخذوا من “الكرتون” فراشا ومن قارعة الطريق والبنايات المهجورة والمزابل… مأوىً لهم

استطلاعات
28 يناير 2020آخر تحديث : منذ شهرين
أشخاص اتخذوا من “الكرتون” فراشا ومن قارعة الطريق والبنايات المهجورة والمزابل… مأوىً لهم
رابط مختصر

تتعدد تحركات بعض الجمعيات الخيرية و بعض المحسنين في مساعدة الفقراء و المتشردين ، فتجدهم يوزعون الملابس عليهم و الأطعمة و المواد الغذائية و ذلك حسب كل مناسبة وطنية أو دينية ، غير أنها تظافر الجهود في فصل الشتاء حيث تنخفض درجة الحرارة و يشتد الجو برودة و تكتسي الجبال بياضا بسبب تساقط الثلوج ، و لأجل مواجهة ذلك يقومون بتوزيع الأغطية على المتشردين غير أن السؤال الذي يظل مطروحا هو هل جمع الأغطية من خلال الحملات التطوعية كاف لكي لا يواجه المتشردون مصير الشاب حميد بعلي الذي قضى نحبه متجمدا ؟ وإلى أن تجد الجهات المعنية و معها المجتمع المدني إجابة على هذا السؤال، سيظل المتشردون بإقليم سيدي بنور في حاجة ماسة إلى من يمنحهم موجة دفء في الوقت  الذي يبقى البرد فيه لا يرحم أحدا و سيواصل حصد الارواح في صفوف هذه الفئة التي حكمت عليها الظروف الاجتماعية أو غيرها لتجد نفسها في الشارع تقاوم قساوة برودة الليالي دون اجراء يذكر ؟

مشردون في مواجهة البرد القارس :

يعود الكثير منا إلى ديارهم في المساء، تاركين شوارع المدينة  لتدب فيها حياة أخرى، يسودها منطق آخر وقانون مغايرين لا يشرّعه البرلمان ولا الحكومة، وإنما يسُنّه أشخاص ظلمتهم الظروف فحرموا من النوم تحت سقف يحميهم وعلى فراش عادي يحضن أجسادهم المنهكة … واتخذوا من ” الكرتون ” بديلا عن ذلك رفيقا، ومن تحت الجسور وقارعة الطريق ومداخل البنايات وأقبية العمارات… مأوىً لهم .

هنا في شوارع مدينة سيدي بنور، كانت عقارب الساعة تشير إلى منتصف الليل، في مشهد مأساوي، يتناثر على نواصي الطرقات أشخاص.. بثياب بالية ممزقة ووجوه غزتها تجاعيد عميقة رسمتها المآسي، بياض عيونهم أصفر ويلاحقون المارة بنظرات غريبة تخفي روحا معذبة تتجرع كأس المرارة على مهل .. ليسوا بمجانين أو متسولين كما أنهم ليسوا أشخاصا عاديين.. وببساطة اختارهم القدر وخطفهم من عائلاتهم ورمى بهم في الشارع لينطلقوا في رحلة لم تكن من اختيارهم أو لهم علم بها من أجل البقاء.

يصير المشردون معروفين لدى المارة وسكان الحي، إذ تنشأ بينهم ألفة، اقتربنا منهم فتوجّسوا منا خيفة ومنعونا من اقتحام عالمهم والسؤال عن أسباب خروجهم من عجلة التاريخ والزمن مفضّلين الاحتفاظ بقصصهم مسجونة داخل أقفاص صدورهم ، تركناهم واقتربنا من السيدة ميلودة  بالقرب من المسجد بحي البام ، وتقمّصنا شخصية من فاته موعد السفر، علّنا نفتح تلك الأقفاص لنعرف أسباب نومهم في الشارع، رحبوا بالمبيت معهم مشترطين تقديم مساعدة مالية ورافضين الخوض في ما عدا ذلك وتركناهم على تلك الحال ينتظرون قدوم النعاس.

ميلودة بنت أحمد ”.. لوحة رسمتها ريشة الحظ العاثر

“ آش بغيتي؟”، “سير بعد مني ، سير فحالك ”، كلمات خرجت من فم ميلودة بنبرة تدل عن الخوف و القلق معا ، حاولت حينها أن أهدئ من روعها فمنحتها بعض الدراهم قبل أن أسألها حيث ردت ” اسمي ميلودة بنت أحمد ، ألفت النوم على الأرض ، أفترش الكرطون ”، “استيقظ حين يكون الكل نيام”، و لكي أشجعها على محاورتنا قلت لها بأني أبحث عن امرأة تبيت في العراء رفقة رضيعها وابنتها في حديقة البرانس ، فهدأت ملامحها ولان كلامها ونبرتها، وقالت “جميلة تبيت في الركن الآخر من الحديقة، لكنها اليوم غادرت المكان وبقيت وحدي كما ترى .. أرتمي في أحضان هذه الأغطية البالية لكني لا أنام حتى تلوح خيوط الشمس الأولى، فالحياة في الليل تكثر فيها الأطماع والأخطار، ولهذا يجب أن نتكيّف معها وأن نطوّر أساليب جديدة للدفاع عن أنفسنا خاصة في غياب “لا بوليس”.

“ ميلودة بنت أحمد” المتربعة في ركن بالقرب من احدى العيادات الطبية بحي بام ، رفعت الغطاء عن القدر، ورجعت بنا إلى الوراء، بعدما استطعنا الغوص في عمقها وفتح صندوق أسرارها، فذلك الجسد الذي انهكه العياء وتلك العينان التي تحيطهما صفرة المرض والإرهاق يترجمون مأساة قاسية ، وذلك الفم الذي غادرته الأسنان و ما تبقى منها صار أسود اللون يروي معاناتها: “أتعرض لمضايقات من قبل المجانين والشباب المنحرف، ناهيك عن ملاحقات المسؤولين لطردي من مكاني، سبق و أن اخذوني الى مقر الخيرية بالشماعية لكنهم لم يحسنوا معاملتنا هناك حيث تعرضت للضرب و الاهانة من احد الموظفين فكان الشارع ارحم بكثير من ذاك المكان … ”.

وتتابع ذات الرابع و الخمسين ربيعا: “لا شيء يقض مضجعي سوى افتقارنا لمكان نُخزّن فيه أشياءنا أو ملجأ نقضي فيه حاجاتنا ليلا، أما بشأن الأمن فنتعرض إلى محاولات اغتصاب من طرف بعض المجانين، لكنهم يعودون أدراجهم بعد أن أهددهم بالضرب  بعصاي هذه و أصيح في وجوههم ، فضلا عن محاولات الابتزاز و السرقة من  طرف بعض الشباب المنحرف ” و تضيف ميلودة ان لحارس  المتاجر الليلي عليها فضل كبير حيث يقوم بحمايتها و مد العون لها كلما طلبت ذلك منه …

أحلم بمعانقة ابني و العيش معا مجددا

كان البؤس والشقاء قد حفرا على وجه ميلودة بنت أحمد تجاعيد عميقة، وتركا بصمة حزن على شخصيتها تجلّت وهي تحكي قصتها: “كنت فتاة جميلة في أحد الدواوير بمنطقة الشياظمة اقليم الصويرة ، تزوجت بشاب من نفس الدوار حيث انجبنا أربعة أطفال منهم ثلاثة اولاد مات اثنين منهم و بنت كبرت اليوم و هي متزوجة بأربعاء العونات  فيما أخوها يعمل رفقة أبناء عمومته بدوار زمران ”، تصمت قليلا و تمسح الدموع من عينيها .. وتواصل حديثها “في بداية الثمانينات ، نشأت بيني  و بين شاب يقربنا علاقة حب وتطورت إلى زواج” تحكي ميلودة و قد اشتدت البرودة بعد هبوب ريح اثلج وجوهنا  ، وبتمعن نظرت إلينا وبنبرة حزينة غشيت صوتها واصلت حديثها: “تزوجنا في بداية الثمانينيات  وكنا نحيا حياة هادئة، قبل أن تطرأ تحولات في خصال وشخصية زوجي بعد قرابة 13 سنة، إذ أراد الزواج من أخرى، حينها بدأت الصراعات و المشاكل داخل البيت أصبحت معها الحياة صعبة كلها سواد في سواد لكثرة الخلافات والصراعات العائلية اليومية التي انتهت بالانفصال، في الوقت الذي لم أجد فيه مؤازرا ، أدركت حينها أنني بدون مأوى، وأن الأهل لن يقبلوا بي مهما كان، خاصة وأنه كان زواجا عرفيا، الأمر الذي حرمني أيضا من حقي بإلزام الزوج بتوفير سكن وحضانة ابني و ابنتي فكان ان هربت قادمة الى مدينة سيدي بنور و مع مرور الوقت  صارت  شوارع و أحياء هذه المدينة  بيتي.. فيها أجلس متحملة عناء اليقظة قبل أن أتخذ منها مستقرا دائما بعدما أوصدت في وجهي كل الأبواب، ورغم هذا أعيش على أمل وحيد وهو استمرار الحياة بشكل عادي ، مؤخرا تم نقلي في حالة حرجة من امام باب مسجد حي بام الى المستشفى الاقليمي بالجديدة حيث خضعت للاستشفاء لمدة شهر كان يزورني فيها ابني البالغ من العمر حاليا حوالي 16 سنة يعيش مع ابناء عمومته و ابنتي التي تزوجت و أنجبت طفلين بنت و ولد  كنت أعانقهم بحرارة و احمد الله أنهم بخير … ” عند قدوم ميلودة بنت أحمد الى مدينة سيدي بنور سلمت ابنتها لإحدى العائلات بأربعاء العونات  و سلمت ابنها الى عمه ليعيش معه بينما لم تجد هي لنفسها مأوى سوى الشارع ، مرت السنوات بحلوها و مرها كبر معها أبناء ميلودة بنت أحمد فتزوجت البنت بينما لازال الابن أعزب يشتغل في مجال الفلاحة رفقة ابناء عمه بدوار زمران بمنطقة بني يخلف بالزمامرة .

رغم أن المتشردين يعيشون على حافة مجرى الحياة وخارج أسوار المجتمع، إلا أنهم سنّوا قانونا يبدأ سريانه ليلا، ينطبق على كل من يدخل عالمهم، فتراهم منشغلين بأبسط الأشياء، كنوعية الأفرشة والمارة وحديثهم يدور حول أخبار من مثلهم، أو حول عناصر الشرطة فيصفونهم بالمشوشين حين يلاحقوهم للتأكد من هوياتهم، فيما يعتبرونهم حماةً لهم من مضايقات الشباب المخمورين.

فريد نموذج صارخ للشباب الضائع

استطاع فريد الوافد من أحواز سيدي بنور، التكيّف مع الظروف القاسية بالمبيت في العراء واعتاد عليه رافضا البيوت او أي مكان يقيه من قساوة برد الليالي ، كما جال وصال في عدة دواوير يقضي الليالي وحيدا في الخلاء، حين اقتربنا منه تحدث معنا دون ابداء أي تخوف منه وعن  حياته قال لنا : “ بالقرب من ضريح سيدي الركراكي المطل على مكان بيع المتلاشيات بجانب السوق الاسبوعي، أدمنت المبيت في الخلاء مفترشا “الكرتون” رغم سعيي لجمع قوت يومي نهارا بالتسول بين المارة و الساكنة الذين يقدمون لنا الصدقات والملابس المستعملة و حتى الأكل ، غير أن الحياة في هذا العالم ليست هادئة كما يبدو، كل الأمكنة محجوزة هنا ومن سوّلت له نفسه احتلال إحدى الزوايا، يجب أن يكون قادرا على المنازلة والعراك مع صاحبها الأول، ورغم ظفره بالمكان، فإنه يظل حريصا وحذرا من غدر الآخر به أثناء نومه، وهو ما ينغّص نومه ويجعل من الزاوية محفوفة بالمخاطر فيغادرها طوعا”.

يرفض فريد البالغ من العمر حوالي 51 سنة العودة إلى مسقط رأسه منذ أن أغلق محله الذي كان يمارس فيه الحلاقة بحي بام ، لا مجال للخوض معه في أمر العودة رغم الحنين والشوق إلى أمه التي لم يرها منذ قرابة الخمس سنوات و ما يزيد كما عبر لنا عن ذلك وعن السبب قال: “ سئمت الحياة هناك، وحتى هنا، لا شيء يعنيني في هذه الحياة ولا أخاف أحدا لكني أحترم الكل ولا أعتدي على الناس ولا أثق فيهم.. ”.

الصمت سلاح للدفاع الذاتي أحيانا

وعلى بعد أمتار من المحطة الطرقية، لفت انتباهنا شخص نائم في وضعية الجالس، اقتربنا منه وافشينا عليه السلام، أزاح القبعة عن وجهه وبادرنا قائلا: “ما الأمر ، ماذا تريدون مني ، ليس معي مال ، ليس معي مال ؟”، ليضيف بعد اطمأن الينا  عن سبب مبيته في الشارع: “جئت من شيشاوة وأنوي البقاء هنا في سيدي بنور رغم افتقاري لمأوى لكني سأتحمل كل الظروف القاسية لأن ما جئت لأجله يستحق ذلك”، أوقد فينا هذا الكلام نار الفضول وحاولنا مجددا اختراق جدار الرفض لدى هذا الوافد الشيشاوي لكنه انزعج مجددا من تواجدنا محاولا الانتقال الى مكان آخر في محاولة للابتعاد عنا و هو يجر و راءه كومة من الاغراض، مما جعلنا نتركه.

انسحبنا في حدود الساعة الرابعة صباحا، مثقلين بمشاهد مثيرة من “ ليل مدينة سيدي بنور البائسة”، تاركين هؤلاء المحكوم عليهم مواجهة قساوة برد الليالي بأبسط الأشياء يفترشون الكرطون في زوايا متفرقة وكلهم أمل في العودة إلى كنف المجتمع مجددا.. لكن هل سيجدون مكانا لهم أم أنهم أُدرجوا في “سجلات النسيان”.

جمعيات المجتمع المدني تتدخل

تخفي مدينة سيدي بنور في النهار، مآسي أناس لا ينتبه لهم المارة في الزحمة والتهافت الذي يطبع الحواضر الكبرى. ويشاهدهم الناس في الليل ملفوفين في أكوام الكرتون والبلاستيك، على أرصفة ينتظرون طلوع فجر يوم آخر لا يختلف عن الذي سبقه. هؤلاء تطوعت لهم جمعيات من المدينة لتمنحهم قليلا من الدفء الذي لا توفره لهم الهيئات التي لا ينقصها المال العام.

جمعية الوحدة للثقافة و التربية و التنمية من بين جمعيات المجتمع المدني التي تقوم بالعمل الخيري اتجاه هذه الفئة من المجتمع بوسائلهم الخاصة وبالتعاون مع محسنين يزوّدونهم بالأغطية الصوفية و الملابس للتخفيف عنهم من قساوة البرد أثناء الليل . وتكشف الجولات الليلية السابقة التي قامت بها الجمعية رفقة السلطات المحلية حجم البؤس الذي لا يظهر في النهار في سيدي بنور… شباب  وشيوخ  ومنهم كثير من النساء، يحمون أنفسهم من لسعات البرد القارسة داخل علب  الكارطون ثم يغطونه بالبلاستيك ليخففوا من قساوة برد هذه الليالي . ومن غرائب المدينة ، أن العدد الأكبر للمتشردين في سيدي بنور يختارون أماكن معنية للمبيت ( شارع محمد الخامس – البناية المهجورة بأرض الخير – قرب مسجد بام – بجوار المحطة الطرقية و السوق الأسبوعي …) يقول السيد الشرع سعيد رئيس الجمعية  ” اننا نقوم كل سنة و في مثل هذا الوقت بالضبط الذي تنخفض فيه درجة الحرارة نهارا و تشتد قساوة البرودة فيه ليلا بعمل خيري رفقة السلطات المحلية من خلال حملة شاملة عبر المدينة لتفقد احوال المتشردين نقوم بمد يد المساعدة اذا تطلب الأمر نقل أحدهم للعلاج أو توفير الدواء له، ونوزع عليهم أيضا ما تبرّع به المحسنون من أغطية أو ألبسة و هو العمل التطوعي  الذي انخرطت فيه الجمعية منذ سنوات، ويشاركنا في هذه المبادرة  السلطات المحلية التي تتدخل لأجل توجيههم الى مقرات تأويهم و تهتم بهم ك ( الخيريات او دور العجزة …) ”

على سبيل الختم:

أمهات تخلى عنهن أبناؤهن، رجال استسلموا للقدر واختاروا التيه  وشبان لا ينزعجون من مجاورة الجرذان في لياليهم في “الجوطية ” وبالقرب من حاويات الأزبال  و المباني القديمة الآيلة للسقوط … ، تعددت روايات “المرميين في الأرصفة” في سيدي بنور في بداياتها التي أوصلتهم إلى تلك الأوضاع منها الفقر، اليتم، التفكك الأسري، عقوق الوالدين التعاطي للمخدرات وغيرها ، لكل واحد منهم حكاية، لكنهم يشتركون جميعا في كون القدر رماهم إلى شوارع المدينة وهنا تصادف كثير من النساء و”قليلي الصحة” الذين قد يقعون تحت بطش عنف الليل فكم من متشرد وجد جثة هامدة نتيجة لموجة البرد القارس ، و كم من متشرد يعاني قساوة البرد في صمت ترى جسمه المنهك و قد ظهرت عليه آثار ذلك ، جسم قد يكون في غالب الاحيان مجرد من أبسط خرقة تستر عورته أو تجده يجر وراءه ملابس ممزقة لا تستر شيئا فيه .

هؤلاء من يجب ان نعمق النقاش في شأنهم قصد حمايتهم و رعايتهم و النظر اليهم بعين من العطف و الشفقة مع ايجاد أماكن تأويهم يجدون فيها المأكل و المشرب و الرعاية يشعرون فيها بالدفء ، الدعوة في هذا الجانب موجهة للجهات المعنية من تعاون وطني و سلطات محلية و جمعيات المجتمع المدني و كذا المحسنين ، فتلك صدقة جارية و مساهمة فعالة في انقاد أبرياء من بطش الشارع و قساوة برد الليالي المؤلم .images 4 - دكالة 24 images 3 - دكالة 24 images - دكالة 24

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.