في رحاب تاريخ بلاد دكالة الحلقة الثالثة

doukkala24
تقافة و فنون
16 أبريل 2021آخر تحديث : منذ 4 أسابيع
في رحاب تاريخ بلاد دكالة الحلقة الثالثة

دكالة 24:

استطاع البرتغال في شبه رد فعل له عن الفتوحات الإسلامية ، أن يقوم بحملات مستمرة قصد احتلال بعض شواطئ المغرب ومدنه الساحلية ومن أبرزها منطقة دكالة ، مستغلا في ذلك الأوضاع المنهارة التي كان يجتازها المغرب آنذاك ، غير أن صلابة وقوة أبناء المنطقة وشجاعة قبائلها وأعلامها من رجال التصوف والتربية الروحية … ودور الزوايا في التحريض على مواجهة المستعمر اضطر البرتغاليون إلى مغادرة المنطقة.

خلال هذه السلسلة سنفتح نافذة على أهم المراحل التي مرت بها منطقة دكالة وخاصة إبان الاحتلال البرتغالي وكيفية التصدي له من طرف القبائل والمدن والقرى  وأعلام  المنطقة … حتى إجلائه عنها مستعينين في ذلك بالعديد من المراجع والمصادر.

——- إعداد: أحمد مسيلي —— الحلقة 3

وصل الإسلام إلى منطقة دكالة على يد الفاتح عقبة بن نافع الفهري الذي فتح البلاد , لكن استجابة القبائل له لم تتم بسهولة .ويذكر في أسطورة ركراكة أن احد زعماء هذه القبائل اتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم , وأعلن إسلامه بين يديه وكلمه الرسول ( ص ) بالبربرية وكلفه بمهمة نشر الإسلام في دكالة , وإنشاء تنظيم سياسي بها , انطلاقا مما ذكر فانه لا يستبعد إذن إمكانية وجود تنظيم سياسي سبق إمارة برغواطة , واعتمدت عليه هذه الأخيرة لإقامة دولتها .

أما الإمارة البرغواطية التي أسسها صالح بن طريف سنة 125 هجرية والتي كان نفوذها يشمل زيادة على تامسنا منطقة دكالة في حدودها القديمة , فإنها نتيجة للثورة الخارجية التي تزعمها ميسرة المطغري سنة 122هجرية بإقليم طنجة ولم تكن ثورة ضد الإسلام , ولكنها ثورة ضد تعسفات الولاة الأمويين وتفضيلهم للعنصر العربي عن العنصر البربري لذلك فالمقاومة البربرية لم تكن تستهدف الإسلام بقدر ما كانت تستهدف الحصول على المساواة مع العرب حسب التعاليم الإسلامية .

فالديانة البرغواطية التي حرفت تعاليم الإسلام , وغلبت عليها المظاهر الوثنية  , استغلت بقايا الديانة الوثنية عند البربر لحملهم على التمرد ضد السلطة الأموية التي لم تنصفهم . ولم تنته الإمارة البرغواطية إلا في عهد الموحدين  وقد قاومت قبائل دكالة عبد المومن بعنف , واستطاع أخيرا أن يتغلب عليهم , حيث قتل الكثير من رجالهم وأسر نسائهم وأطفالهم .

من أهم القبائل العربية  التي دخلت دكالة هم الهلاليون بعدما نزحت  الأغلبية منهم قصد الاستقرار والاستيطان ، وأهم فخذاتها أثبج ورياح وزغبة ، وقد انقضوا عام 449 هجرية – 1059 م على القيروان فانزلوا بها الضربة التي قضت عليها آنذاك والواقع أن الموحدين هم الدين أنقدوا إفريقيا من الخطر المزدوج وهو الاحتلال النورماندي ( 543 هجرية – 1148 م ) وتهريج الهلاليين ن فقد استولى عبد المومن بن علي عام 547 هجرية – 1152 م على دويلات بني حماد كما قمع أعراب المغرب الأوسط وطاردهم إلى الصحراء وهنالك شعر هؤلاء الأعراب العتاة بأن الإسلام الموحدي قد أضاع عليهم فرص النهب والتقتيل فتكتلوا وانحدروا كالسيل الجارف على إقليم وهران ولكن الجيش الموحدي شتت شملهم في سهول ( سطيف ) عام 548 هجرية – 1153 م ونقل الكثير من قادتهم وأسرهم إلى مراكش فأظهروا الانقياد وكان ذلك منهم أول بادرة للانضمام إلى الجيش النظامي الموحدي فأغدق عليهم الخليفة وأجزل العطاء ولكن روح التمرد حدتهم إلى المراوغة المستديمة والالتحاق بعناصر الفتنة في افريقية مثل قراقوش وبني غانية على أن وجودهم على طول ساحل الأطلنتيك قد ساعد على تعريب المغرب من حيث اندمجوا في القبائل البربرية عن طريق المصاهرة وأنجبوا أجيالا من الأعراب الذين يملأ ون إلى اليوم بطاح السهول وسفوح الجبال . وقد عاش بنو هلال في دكالة منهم آل عواد بسلا وقد ذكر صاحب الصفوة أن هلال دكالة ليسو من بني هلال الذين دخلوا إلى المغرب على عهد المنصور الموحدي بل هم فرقة أخرى من بني سليم حسب ماجاء في كتاب الطبري وابن الأثير والاستقصا وغيرهم

محمد الكانوني في كتابه ” آسفي وما إليه ” ص 31 عن الإمام أبا زيد عبد الرحمان الفاسي  في كتاب ” الاقنوم في مبادئ العلوم ” يقول :

وفي دكالة بنو هلال                                  أولاد عمران وعبدة يقال

أولاد بوعزيز الشرقية                               أولاد سبيطة كذا الغربية

وكذا العونات أولاد فرج                             سيدنا المجدوب منهم خرج

وانضاف ذا الزمان أولاد دليم                      مع المنابهة كنابهم عليهم

أولاد عمر وثم آل عمران                           كدا الشياضمة كل صائر

من خلال النص يتبين على أن بني هلال دخلوا دكالة , فابن الأثير يذكر في كتابه ” الكامل ” انه بعد وقوع الحرب بين الموحدين والأعراب الهلاليين بالمغرب الأوسط وانتهائها بهزيمة الأعراب فعامل عبد المومن شيوخهم معاملة حسنة وأكرمهم ليتقرب منهم ويتخذ منهم سندا بشريا يواجه به نزعة الشيوخ المصامدة , لذلك رخص لهم بالدخول إلى المغرب الأقصى حيث استعان بهم لتثبيت ولاية العهد لابنه , كما استعان بهم في حروب الأندلس , هذه الحروب التي شارك فيها الكثير من قبائل دكالة مما أحدث بالمنطقة فراغا سكانيا . وفي عهد يعقوب المنصور الموحدي بدأت القبائل العربية المستقرة في منطقة ازغار , وفي دكالة تثير الكثير من الفوضى والقلاقل , لذلك عمل السلطان الموحدي على نقل الهلا ليين نحو السهول الشمالية الغربية لتفريقهم وإضعاف شوكتهم من جهة ولتعمير المناطق التي تركها أهلها بقصد الجهاد في الأندلس من جهة أخرى .

وهكذا استقر سفيان وبنو جابر والخلط في تامسنا أما الاثبج فقد استقروا بدكالة , وظلوا مخلصين للموحدين الدين مكنوهم من تلك الأراضي الخصبة , لكن سفيان لم يظهروا نفس الإخلاص للموحدين إذ ما لبثوا أن تحولوا عنهم  إلى مناصرة المرينيين , وفي هذا الإطار استولوا على مدينة آزمور لكن الموحدين هزموهم واضطروهم إلى النزوح شمالا .

انتقل آخر أمراء الموحدين ” أبو دبوس ” إلى دكالة واستقر في مدينة الغربية لينتزع السلطة باتفاق مع المرينيين لكنه لم ينجز ما تعهد لهم به , فجرت بين الطرفين معارك دامية كانت دكالة ميدانا لها , ذهب ضحيتها رجال كثيرون من دكالة والحوز . وفي 30 ذي الحجة من سنة 667ه قتل أبو دبوس وانتهت بذلك الدولة الموحدية وأرغمت القبائل التي ساندتها على دفع ضرائب باهضة وأعداد كبيرة من المقاتلين ( الاثيج ) .

وقد تمرد بنو رياح الهلاليون على السلطان المر يني أبي ثابت عمرو بن عبد الله , لذلك تحرك نحوهم وشتتهم سنة 707 ه . فأحدث هذا العمل فراغا سكانيا بمنطقة الهبط فتحركت القبائل العربية من تامسنا نحو الشمال , وتركت قبيلة سفيان منطقة دكالة نهائيا فلم يبق بدكالة من العرب إلا ” الاثيج ”  وعددهم قليل لدلك برزت من جديد العناصر السكانية الأصلية وبدأ الامتزاج بين البربر والعرب ولكن ببطء شديد حتى انه أمكن خلال القرن 16 التمييز في دكالة بين القبائل البربرية والعربية .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!