ردود مباشرة، لغة واثقة، في مواجهة المعارضة.. المنصوري تختار المواجهة بدل الاكتفاء بالدفاع التقليدي عن البرنامج الحكومي

22 أكتوبر 2026آخر تحديث :
ردود مباشرة، لغة واثقة، في مواجهة المعارضة.. المنصوري تختار المواجهة بدل الاكتفاء بالدفاع التقليدي عن البرنامج الحكومي

دكالة 24: أحمد مسيلي

لم تكن جلسة مجلس النواب، يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، مجرد محطة دستورية لمناقشة البرنامج الحكومي والتصويت عليه، بل تحولت إلى ساحة سجال سياسي كشفت عن ملامح جديدة في أسلوب التواصل الحكومي مع البرلمان، بعدما اختارت فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة الرد المباشر على عدد من مداخلات البرلمانيين، في مشهد طغت عليه لغة الصراحة والمواجهة والحضور القوي.

ففي لحظات اعتاد فيها المتتبعون أن تلتزم الأجوبة الحكومية قدرا كبيرا من التحفظ الدبلوماسي، اختارت المنصوري أن تدخل إلى قلب النقاش، وأن تواجه الانتقادات بعبارات واضحة، مستندة إلى خلفيتها القانونية، ومؤكدة أن إدارة الخلاف السياسي لا تعني بالضرورة تفادي المواجهة أو الاحتماء خلف لغة خشبية لا تقول شيئاً ولا تجيب عن شيء.

وقد كان من أبرز مشاهد الجلسة تفاعل المنصوري مع إدريس الأزمي، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، حين ردت عليه بعبارتها التي سرعان ما لفتت انتباه المتابعين ، حيث لم تكن العبارة مجرد تفصيل عابر في سجال برلماني، بل عكست اختيارا واضحا في أسلوب الرد و ذلك بالانتقال من الإجابة المؤسساتية الباردة إلى المواجهة المباشرة، مع استحضار التكوين القانوني للمتحدثة في النقاش المتعلق باختصاصات الحكومة ومسارها الدستوري. وقد جاء ذلك في سياق دفاعها عن حق الحكومة في عقد اجتماعاتها ومناقشة برنامجها قبل الحصول على ثقة البرلمان،

وبغض النظر عن اختلاف القراءات بشأن ملاءمة العبارة وأسلوبها، فإنها كشفت عن مسؤولة حكومية لم تكتفِ بتلقي الانتقادات، بل اختارت الرد عليها أمام ممثلي الأمة، حيث تتقاطع السياسة بالقانون، وتصبح كل كلمة قابلة للنقاش والمساءلة.

إن قوة المسؤول السياسي لا تقاس فقط بقدرته على إلقاء الخطابات المعدة سلفا، بل تظهر أيضا في كيفية تعامله مع الأسئلة المحرجة، وفي قدرته على إدارة النقاش عندما تتصاعد حدة الاختلاف.

وفي هذا السياق، قدمت المنصوري خلال الجلسة نموذجاً لأسلوب سياسي يقوم على الحضور المباشر والثقة في الخطاب وعدم التراجع عن الدفاع عن المواقف المعلنة. فقد تناولت انتقادات المعارضة المتعلقة بنزاهة الانتخابات، ودافعت عن حزبها، كما أثارت مسألة ازدواجية المواقف السياسية، معتبرة أن التشكيك في النتائج لا ينبغي أن يرتبط فقط بالخسارة الانتخابية، بل يتطلب نقاشاً أوسع بشأن الثقة في المؤسسات والممارسة الحزبية.

وقد أظهرت هذه المواجهة أن النقاش البرلماني لا يقتصر على تبادل المواقف، بل يشمل أيضا صراعا حول الرواية السياسية التي يريد كل طرف تقديمها للرأي العام. فالمعارضة تسعى إلى إحراج الحكومة ومساءلتها، والحكومة مطالبة بالدفاع عن اختياراتها وتقديم أجوبة مقنعة، لا بمجرد رفع نبرة الخطاب، بل بالحجة والوقائع والالتزامات القابلة للتحقق.

هذا ، و يحمل تولي امرأة رئاسة الحكومة دلالة رمزية في مجتمع ما زالت فيه النساء يواجهن تحديات متعددة في الوصول إلى مواقع القرار. وقد استحضرت المنصوري هذه الرمزية في مداخلتها، معتبرة أن وصولها إلى هذا الموقع لا يمثل مكسبا شخصيا فحسب، بل يحمل أيضا معنى بالنسبة إلى النساء المغربيات.

غير أن قيمة الحضور النسائي في المؤسسات لا ينبغي أن تتوقف عند الرمز أو الصورة، بل تتجلى في ممارسة المسؤولية، والقدرة على تدبير الاختلاف، والاستعداد لتحمل تبعات القرارات، والوفاء بالالتزامات الاجتماعية والاقتصادية.

ومن هنا، فإن المشهد البرلماني الذي قدمته رئيسة الحكومة السيدة المنصوري يفتح باباً للنقاش حول صورة المرأة في القيادة السياسية ، هل تستطيع أن تفرض حضورها دون أن تتخلى عن متطلبات الحوار المؤسساتي؟ وكيف يمكن الجمع بين الحزم في الدفاع عن المواقف والإنصات إلى الانتقادات؟ إنها أسئلة لا تحسمها لحظة سجال واحدة، وإنما تجيب عنها الممارسة السياسية على امتداد الولاية الحكومية.

ومع ذلك، فإن الإشادة بقوة الحضور والجرأة في الرد لا تعني إعفاء رئيسة الحكومة من الأسئلة الصعبة. فالمواطن لا ينتظر من المسؤول السياسي أن يكون بارعاً في المواجهة فقط، وإنما ينتظر منه أن يجعل من تلك الثقة قوة دافعة نحو الإنجاز.

إن الملفات الاجتماعية، وفي مقدمتها التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية، ستظل المعيار الأهم للحكم على أداء الحكومة. كما أن الدفاع عن نزاهة الانتخابات وتعزيز الثقة في المؤسسات يقتضيان خطابا سياسيا مسؤولا، وشفافية في تدبير الشأن العام، ومحاسبة قانونية عادلة لا تميز بين الانتماءات الحزبية.

فإذا كانت السيدة المنصوري قد اختارت أن تواجه البرلمانيين بوضوح، فإن الرأي العام ينتظر منها أيضا أن تواجه اختلالات الواقع بالوضوح نفسه، وأن تتحول قوة الخطاب إلى قوة في التنفيذ، وأن تصبح الوعود الحكومية التزامات ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.

لقد أظهرت جلسة 22 أكتوبر أن رئيسة الحكومة السيدة المنصوري تعتمد أسلوبا مباشرا في تدبير المواجهة البرلمانية، وأنها لا تتردد في الدفاع عن مواقفها والرد على خصومها السياسيين. وهو أسلوب قد يراه مؤيدوها تعبيراً عن الجرأة والثقة بالنفس، بينما قد يعتبره منتقدوها مجالاً للنقاش حول حدود المواجهة واللغة الملائمة داخل المؤسسة التشريعية.

لكن المؤكد أن البرلمان ليس مسرحا لاستعراض قوة الشخصيات، كما أنه ليس فضاء للمجاملات السياسية، بل مؤسسة دستورية تقوم على الحوار والمساءلة والاختلاف المشروع.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة
error: Content is protected !!