دكالة 24: أحمد مسيلي
في خطوة وُصفت داخل الأوساط التعليمية بجهة الدار البيضاء – سطات بـالقرار الشجاع والمنصف، تفجّر خبر إعفاء ثلاثة مدراء إقليميين من مهامهم، ويتعلق الأمر بكل من المدير الإقليمي بسطات، والمدير الإقليمي بمديونة، والمدير الإقليمي بالجديدة، في قرار خلّف ارتدادات قوية داخل المنظومة التربوية، لكنه في المقابل قوبل بـارتياح واسع في صفوف الشغيلة التعليمية التي اعتبرت ما جرى تفعيلًا فعليًا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
القرار، الذي وصفه عدد من الفاعلين التربويين والنقابيين بـ”القنبلة الإدارية” التي هزّت الوضع التعليمي بالجهة، لم يُقرأ فقط باعتباره تغييرًا في مواقع المسؤولية، بل اعتُبر رسالة مؤسساتية واضحة مفادها أن مرحلة التغاضي عن الاختلالات والتدبير المرتبك لم تعد مقبولة، وأن الإدارة التربوية الجهوية بدأت تتجه نحو ترسيخ ثقافة المحاسبة والإنصاف الإداري.
ارتياح واسع داخل الشغيلة التعليمية.. واعتبار القرار إنصافًا طال انتظاره
وفق معطيات متداولة داخل الوسط التعليمي، فإن الشغيلة التعليمية استقبلت هذه الإعفاءات بارتياح كبير، خاصة أنها تأتي – بحسب عدد من المتتبعين – استجابة لحالة الاحتقان المتراكمة، وإنصافًا لنساء ورجال التعليم الذين ظلوا يطالبون بفتح ملفات التدبير وتحميل المسؤولية لمن تسبب في تأزيم الأوضاع.
ويعتبر كثيرون أن هذه القرارات لم تكن مجرد إجراء إداري عابر، بل شكلت بالنسبة لعدد من الأطر التربوية والإدارية نوعًا من رد الاعتبار المهني والمعنوي، بعد فترة طغت فيها شكاوى متكررة بشأن اختلالات في التدبير، وضعف في التواصل، وتعثر في معالجة عدد من الملفات الحساسة التي أثرت بشكل مباشر على السير العادي للمرفق التربوي.
سطات والجديدة.. احتجاجات عارمة مهدت لقرارات الحسم
وتزداد أهمية هذه القرارات بالنظر إلى السياق الذي صدرت فيه، خصوصًا أن المديريتين الإقليميتين بسطات والجديدة عرفتا خلال الآونة الأخيرة احتجاجات عارمة وغضبًا متصاعدًا في صفوف الشغيلة التعليمية، في مشهد غير مسبوق عكس حجم التوتر الذي بلغته الأوضاع داخل الإقليمين.
ففي إقليم سطات، ارتفعت أصوات النقابة الوطنية للتعليم العضو في الفيدرالية الديمقراطية للشغل مطالبة بوقف ما اعتبرته اختلالات تدبيرية وتراكمات أثرت على مناخ العمل داخل المؤسسات التعليمية، مع التأكيد على أن المرحلة أصبحت تتطلب قرارات حاسمة تعيد الاعتبار للحكامة الجيدة وللإنصات إلى مطالب الشغيلة.
أما في إقليم الجديدة، فقد بلغ الاحتقان بدوره مستويات لافتة من ذات التنظيم النقابي حيث نفذ العديد من الوقفات الاحتجاجية و كان آخرها اعتصام و مبيت ليلي أمام المديرية الاقليمية ، حيث عبّرت عن رفضها لعدد من الممارسات التدبيرية التي ساهمت في تأجيج التوتر وإضعاف منسوب الثقة بين الإدارة والشغيلة، وهو ما جعل قرار الإعفاء يُستقبل باعتباره استجابة عملية لمطالب ظلت تُرفع في الميدان.
مديونة.. الإعفاء يوسع دائرة المساءلة ولا يستثني أحدًا
ورغم أن مديرية مديونة لم تكن في صدارة المشهد الاحتجاجي بنفس الحدة التي عرفتها سطات والجديدة، و سيدي بنور و المحمدية ، فإن إدراج مديرها الإقليمي ضمن لائحة المعفيين بعث برسالة واضحة مفادها أن منطق التقييم والمساءلة لا يرتبط فقط بحجم الضجيج الميداني، بل بمدى نجاعة التدبير وجودة الأداء وتحمل المسؤولية.
ويرى متابعون أن هذا المعطى بالذات يعطي للقرار بعدًا مؤسساتيًا أعمق، لأنه يكرس فكرة أن المحاسبة لا يجب أن تكون انتقائية أو ظرفية، بل ينبغي أن تشمل كل من ثبت تقصيره أو عجزه عن تدبير المرحلة بالكفاءة المطلوبة.
وزارة التربية الوطنية تفعل مبدأ دستوريًا ومطلبًا نقابيًا
في قراءة أوسع لهذه التطورات، يذهب عدد من المتابعين إلى أن وزارة التربية الوطنية تكون قد خطت خطوة مهمة في اتجاه تفعيل واحد من أهم مبادئ الحكامة العمومية، وهو مبدأ “المسؤولية مقرونة بالمحاسبة”.
فالقرار، وفق هذا المنظور، لا يمكن فصله عن الحاجة الملحة إلى إعادة الانضباط إلى منظومة التدبير التربوي، وإعطاء إشارات قوية على أن مناصب المسؤولية ليست مواقع امتياز، بل مواقع تكليف تستوجب النجاعة، والإنصات، والقدرة على حل الأزمات لا صناعتها.
كما أن هذه الإعفاءات، في نظر فاعلين من داخل القطاع، تشكل جوابًا عمليًا على جزء من مطالب الشغيلة التعليمية التي ظلت تؤكد في أكثر من محطة أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من محاسبة المسؤولين عن الاختلالات، وحماية الأطر التربوية والإدارية من تبعات قرارات تدبيرية مرتبكة أو غير منصفة.
رسالة قوية إلى باقي المديريات: زمن الإفلات من التقييم انتهى
ويرى مهنيون أن الإعفاءات الثلاثة تحمل كذلك رسالة ردعية وتنبيهية إلى باقي المسؤولين الترابيين داخل الجهة وخارجها، مفادها أن المرحلة المقبلة قد لا تتسامح مع ضعف الأداء، أو سوء التدبير، أو تجاهل مؤشرات الاحتقان قبل انفجارها في الشارع التعليمي.
فالاحتجاجات التي عرفتها بعض المديريات لم تكن – بحسب متابعين – وليدة لحظة عابرة، بل نتيجة تراكمات في التدبير والتواصل والتعاطي مع الملفات اليومية للشغيلة والمؤسسات، وهو ما يجعل من القرارات الأخيرة مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة عنوانها الصرامة الإدارية والمساءلة الواضحة.
بين الصدمة والارتياح.. الأسرة التعليمية تنتظر ترجمة القرارات إلى إصلاح حقيقي
ورغم الارتياح الواسع الذي رافق هذه الإعفاءات، فإن كثيرين داخل الجسم التعليمي يعتبرون أن الرهان الحقيقي لا يقف عند حدود الإعفاء في حد ذاته، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة تعيين كفاءات قادرة على استعادة الثقة، وفتح قنوات تواصل حقيقية، وتدبير الملفات العالقة بمنطق الحكامة والإنصاف والسرعة.
فالشغيلة التعليمية، التي شعرت بأن صوتها قد وصل أخيرًا، تنتظر اليوم أن تتحول هذه القرارات إلى بداية فعلية لتصحيح الأعطاب البنيوية داخل بعض المديريات الإقليمية، لا مجرد تدبير ظرفي لامتصاص الاحتقان.
على سبيل الختم
مهما اختلفت القراءات والتأويلات، فإن الثابت اليوم هو أن إعفاء المدراء الإقليميين بسطات ومديونة والجديدة شكّل حدثًا مفصليًا داخل المشهد التعليمي بجهة الدار البيضاء – سطات، ليس فقط لأنه هزّ البنية الإدارية للقطاع، ولكن أيضًا لأنه أعاد الثقة إلى جزء مهم من الشغيلة التعليمية التي رأت فيه إنصافًا مستحقًا، وتجسيدًا عمليًا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وبينما تترقب الأسرة التعليمية ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة، يبدو أن الرسالة قد وصلت بوضوح:
زمن التدبير المرتبك دون مساءلة لم يعد مقبولًا، والإدارة التربوية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالنجاعة، والإنصاف، وتحمل المسؤولية الكاملة في خدمة المدرسة العمومية.








