دكالة 24: أحمد مسيلي
كلما اقترب موعد الانتخابات في المغرب، خرجت إلى الواجهة واحدة من أكثر الظواهر إثارة للقلق في المشهد السياسي: الترحال السياسي.
وجوه تتنقل من حزب إلى آخر، ومن لون سياسي إلى نقيضه، وكأن الأمر يتعلق بتغيير قميص أو علامة تجارية، لا بتغيير قناعة سياسية وانتماء فكري ومسؤولية أمام الناخبين.
الأكثر إثارة في هذا المشهد ليس أن يغير سياسي حزبه؛ فالاختلاف حق، ومراجعة المواقف أمر مشروع. لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا يبقى من المبدأ حين يصبح تغيير الحزب مجرد طريق مختصر نحو التزكية والمقعد؟ ، هنا تحديدًا تبدأ المشكلة ، فمع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يظهر بعض المرشحين وكأنهم ينتظرون فتح سوق التزكيات. يبحثون عن الحزب الذي يمنحهم أفضل فرصة للترشح، ثم يرتدون خطابه كما يُرتدى معطف جديد، دون أن يجدوا حرجًا في الانتقال من مرجعية إلى أخرى، ومن خطاب إلى نقيضه، طالما أن الوجهة النهائية هي صندوق الاقتراع والمقعد الانتخابي. إنها ليست مرونة سياسية، بل في حالات كثيرة سقوط مدوٍّ لفكرة الانتماء، فالسياسي الذي يقنع الناخبين بالأمس بأنه يمثل مبادئ حزب معين، ثم يعود إليهم غدًا بوجه آخر وشعار آخر وخطاب آخر، مطالب بأن يجيب قبل غيره عن سؤال بسيط: ماذا حدث للمبادئ التي انتخبك الناس على أساسها؟ هل تغيرت القناعة فعلًا؟ أم تغيرت فقط حسابات التزكية؟ مناضل أم “منتج انتخابي”؟.
المشكلة أن بعض الأحزاب لم تعد تتعامل مع المرشح باعتباره مشروعًا سياسيًا يحتاج إلى تكوين وتأطير واختبار، بل باعتباره منتجًا انتخابيًا جاهزًا: اسم معروف، شبكة علاقات، قدرة على استقطاب الأصوات، ثم يوضع تحت يافطة الحزب ويُقدَّم للناخبين، وبهذه الطريقة يصبح الحزب نفسه مجرد غلاف ، أما المرشح، فيظل هو المنتج ذاته، مهما تغير الغلاف أو تبدلت الألوان.
اليوم قد يكون في حزب يساري، وغدًا في حزب ليبرالي، وبعده في تنظيم ذي مرجعية مختلفة تمامًا، ثم يظهر في كل محطة وكأنه اكتشف الحقيقة السياسية من جديد. والسؤال هنا ليس فقط عن هؤلاء الأشخاص، بل عن الأحزاب التي تفتح لهم أبوابها وتمنحهم التزكية وكأن ذاكرة الناخب لا وجود لها.
فالناخب ليس بلا ذاكرة ، الناخب المغربي يرى، ويتابع، ويتذكر.يتذكر من انتخبه بالأمس، وتحت أي شعار انتخبه، وماذا وعده، وأين انتهى به المسار ، وحين يرى الوجه نفسه يعود في كل انتخابات ببطاقة حزبية مختلفة، فمن الطبيعي أن يتساءل: هل نحن أمام تعدد سياسي حقيقي، أم أمام إعادة تدوير للوجوه نفسها؟ وهنا تكمن الخطورة ، لأن استمرار هذه الظاهرة لا يضرب صورة المرشح وحده، بل يضرب صورة الحزب، ثم صورة العمل السياسي برمته ، وعندما يقتنع المواطن بأن الأحزاب تختلف في أسمائها وشعاراتها، بينما تتشابه في الوجوه والمرشحين والحسابات، فإن الانتخابات تفقد جزءًا كبيرًا من معناها.
فما جدوى البرامج إذا كان الأشخاص قادرين على الانتقال بينها كما ينتقلون بين المنصات؟ وما معنى الانتماء الحزبي إذا كان يمكن التخلي عنه بمجرد أن تصبح التزكية في مكان آخر أكثر إغراءً؟
من السهل تحميل المسؤولية للمرشح، لكن الحقيقة أن الحزب الذي يمنح التزكية يتحمل نصيبه الكامل من المسؤولية ، فلا أحد يُفرض عليه أن يستقبل مرشحًا ترك حزبًا بالأمس بحثًا عن فرصة جديدة اليوم.
ولا أحد يجبر الأحزاب على إعادة تدوير الأسماء نفسها ، وإذا كانت الأحزاب تعرف أن أحد المرشحين قضى سنوات يتنقل بينها، ثم قررت مع ذلك منحه تزكيتها، فهي لا تعاقب الترحال السياسي، بل تكافئه ، وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا: هل الأحزاب تريد بناء نخب سياسية حقيقية، أم تريد فقط أسماء قادرة على جلب الأصوات؟
إذا كان الخيار الثاني هو السائد، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يفقد المواطن ثقته في السياسة ، لأن السياسة ليست سوقًا مفتوحة، والتزكية ليست صفقة تجارية، والانتماء الحزبي ليس قميصًا يُستبدل كلما ضاق المقاس ، فالسياسة، في جوهرها، التزام ومبدأ ومسؤولية ، ومن حق السياسي أن يختلف، وأن ينسحب، وأن يراجع مواقفه، بل وحتى أن يغير قناعته السياسية. لكن تغيير القناعة شيء، والقفز من حزب إلى آخر بحثًا عن موقع انتخابي شيء آخر تمامًا.
الفرق بين الاثنين هو الفرق بين السياسي الذي يغير موقفه دفاعًا عن قناعة، والسياسي الذي يغير قناعته دفاعًا عن موقعه ، وهذا هو الخط الفاصل الذي يجب أن تنتبه إليه الأحزاب والناخبون معًا.
فإذا كانت الأحزاب تريد فعلًا مواجهة أزمة الثقة والعزوف، فعليها أن تبدأ من داخلها ، لأن المطلوب ليس المزيد من الأسماء التي استُهلكت سياسيًا، ولا إعادة تدوير الوجوه نفسها في كل استحقاق، ولا البحث عن مرشحين جاهزين مهما كان تاريخهم الحزبي ، بل المطلوب هو إنتاج نخب جديدة، وتكوين كفاءات سياسية حقيقية، ومنح الفرصة لمن يؤمن بالعمل الحزبي قبل أن يبحث عن المقعد ، أما الاستمرار في فتح الأبواب أمام كل من يحمل حقيبة انتخابية جاهزة، فلن يؤدي إلا إلى تكريس الصورة الأسوأ عن السياسة.
ان المعركة اليوم ليست بين اليمين واليسار، ولا بين المحافظ والحداثي، ولا بين هذا الحزب وذاك ، المعركة الحقيقية هي بين سياسة تقوم على المبدأ، وسياسة تقوم على المصلحة الانتخابية ، بين من يرى في الحزب مدرسة للأفكار وتأطيرًا للمواطنين وصناعة للنخب، ومن يراه مجرد منصة للوصول إلى المجلس أو البرلمان ، وبين مرشح يعتبر التزكية تكليفًا ومسؤولية، وآخر يعتبرها فرصة ينبغي اقتناصها بأي لون كان.
لذلك، فإن مواجهة الترحال السياسي لا يمكن أن تبقى مجرد شعار موسمي يظهر مع اقتراب الانتخابات ثم يختفي بعد إعلان النتائج ، المطلوب موقف حزبي واضح، ومراجعة حقيقية لسياسات التزكية، ورفض تحويل الأحزاب إلى محطات عبور للباحثين عن المقاعد ، لأن المرشح ليس سلعة تُعاد تعبئتها كل أربع سنوات، والحزب ليس غلافًا تجاريًا، والناخب ليس مجرد رقم في ليلة الاقتراع ، والسياسة، إذا أرادت استعادة احترام الناس، عليها أن تستعيد أولًا احترامها لنفسها.
فحين يصبح المقعد أهم من المبدأ، يصبح الترحال قاعدة. وحين يصبح الترحال قاعدة، يصبح فقدان الثقة نتيجة حتمية. والخاسر في النهاية ليس حزبًا بعينه ولا مرشحًا بعينه، بل السياسة نفسها.








