دكالة 24:مراسلة خاصة
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، يعود إقليم بنسليمان إلى أجواء الاستحقاق الانتخابي بوجوه يعرفها الناخبون جيدًا، في وقت تتزايد فيه حاجيات السكان وتتراكم الملفات المؤجلة. فقد عاش الإقليم خلال السنوات الماضية على وقع إعادة الانتخابات التشريعية بشكل متكرر، إلى درجة تحطيم رقم قياسي، في ظل اختلالات ووقائع مرتبطة بالفساد الانتخابي، كما شهدت الولاية الحالية عزل ثلاثة برلمانيين، اثنان منهم من حزب الاستقلال وآخر من حزب التقدم والاشتراكية، وفق المعطيات المتداولة. واليوم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى تقييم الحصيلة بدل إعادة إنتاج المشهد نفسه.
إعادة الترشح حق مشروع، لكن طلب ثقة الناخبين من جديد يفترض أولًا تقديم حصيلة واضحة. والحصيلة البرلمانية لا تُقاس بعدد الصور واللقاءات والظهور في المناسبات، وإنما بما حمله المنتخب إلى المؤسسة التشريعية من قضايا، وما خاضه من ترافع، وما استطاع تحقيقه من نتائج، وما تركه من أثر في حياة المواطنين. والحال أن الحضور البرلماني الحالي للإقليم، وفق المعطيات المتاحة، ظل محدودًا على مستوى الأسئلة الكتابية والشفهية، إذ لم يتجاوز بعضها سؤالين، فيما لم تكن بعض الأسئلة مرتبطة أصلًا بأبرز مشاكل بنسليمان. والسؤال هنا ليس عن عدد الأسئلة فقط، بل عن مضمونها، وعن الملفات التي تم الترافع بشأنها، والنتائج التي تحققت على أرض الواقع.
وتزداد المفارقة حين نعلم أن الأمر يتعلق بمنتخبين ينتمون إلى أحزاب الأغلبية الحكومية، وبعضهم يشغل مواقع سياسية وبرلمانية وازنة. فمن بينهم من يرأس أكبر فريق برلماني ويتمتع بعلاقات مباشرة مع رئيس الحكومة وعدد من الوزراء، فضلًا عن رئاسته لجماعة، فيما تولى برلماني آخر رئاسة جماعة أخرى، إلى جانب رئاسة لجنة المالية بمجلس جهة الدار البيضاء-سطات، قبل أن يُعزل من رئاسة الجماعة ومن عضوية البرلمان. كما لم يجدد حزب الأصالة والمعاصرة تزكيته لبرلمانيه الحالي لخوض الاستحقاق المقبل باسمه، في خطوة تطرح علامات استفهام حول حصيلة تجربته، خاصة في ظل ملاحظات بشأن أدائه وحضوره الميداني وعدم تقديم الإضافة المنتظرة. وإذا كان الحزب نفسه لم يجدد ثقته فيه، فكيف يمكن إقناع الناخبين بتجديد الثقة فيه؟
كما أن أحزابهم كانت حاضرة في رئاسة عدد من الجماعات، والمجلس الإقليمي، وغرفة الفلاحة، وغيرها من المؤسسات المنتخبة. أي أن المواقع كانت موجودة، والأدوات متاحة، والأبواب مفتوحة، والظروف السياسية والمؤسساتية مواتية للترافع عن الإقليم واستقطاب المشاريع والدفاع عن مصالح سكانه. ولهذا يصبح سؤال الحصيلة أكثر إلحاحًا: ماذا تحقق فعلًا لبنسليمان؟
فالإقليم يتوفر على مؤهلات كبيرة، من موقع استراتيجي بين الدار البيضاء والرباط، وشاطئ ساحلي جميل يمتد من المنصورية إلى الشراط، وغابات فلين شاسعة وفريدة، ومؤهلات طبيعية متميزة، ومجال فلاحي واعد، وهي كلها عناصر تجعل من بنسليمان مجالًا مؤهلًا للسياحة والاستثمار والتنمية. غير أن جزءًا مهمًا من هذه الإمكانات لا يزال ينتظر ترجمته إلى مشاريع ونتائج ملموسة. وفي قطاع الصحة، ظل ملف غياب طبيب التخدير بالمستشفى الإقليمي، وفق المعطيات المتداولة، مطروحًا لأكثر من سنة.
وفي قطاع النقل، عانى المواطنون لسنوات من أزمة استعصت على الحل، قبل أن تفتح أوراش الاستعداد لمونديال 2030 أفقًا جديدًا لمعالجة جزء من هذه الإشكالية، فيما لا تزال مطالب أساسية تنتظر الحل. ومن بين أبسط هذه المطالب دخول حافلات النقل إلى محطة قطار المحمدية، وهو مطلب يومي لا يحتاج إلى مشاريع ضخمة أو اعتمادات استثنائية، بقدر ما يحتاج إلى ترافع جدي وتحرك فعلي. ومع ذلك، لم يلمس المواطنون، بحسب المعطيات المتاحة، تحركًا برلمانيًا واضحًا للدفاع عن هذا الملف والضغط من أجل إيجاد حل له. وإذا كان الترافع عن مطلب بسيط كهذا لم يجد طريقه إلى البرلمان ومؤسسات القرار، فماذا ينتظر المواطن من الملفات الكبرى؟
وتأتي أمام الإقليم اليوم فرصة جديدة مع مشروع ملعب الحسن الثاني بالمنصورية وما يرافقه من أوراش في النقل والبنيات التحتية والتهيئة.
كما يظل مشروع النواة الجامعية من الملفات التي تستحق المساءلة، بعدما سبق أن ارتبط بتخصيص وعاء عقاري بتراب جماعة عين تيزغة بالقرب من مطار بنسليمان، مع الحديث عن اعتمادات مالية وزيارة سابقة لوزير التعليم الأسبق سعيد أمزازي. وبعد مرور سنوات، يظل السؤال مطروحًا: أين وصل المشروع، ولماذا لم يرَ النور بعد؟
وفي خضم هذا الواقع، تعود بعض الوجوه نفسها إلى واجهة السباق الانتخابي، بينما اختارت بعض الأحزاب تزكية أسماء من خارج الإقليم. وهنا يطرح المواطن سؤالًا مشروعًا حول مدى قدرة من لا يعيش تفاصيل المنطقة ولا يعرف مشاكلها اليومية عن قرب على حمل هموم سكانها وتمثيلهم بالشكل المطلوب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشخصية تشغل مسؤولية حكومية وتأتي اليوم إلى الإقليم في إطار الاستحقاقات الانتخابية.
القضية ليست في قيمة الشخص أو كفاءته، وإنما في سؤال أعمق: هل عجزت بنسليمان فعلًا عن إنجاب كفاءاتها وأطرها وطاقاتها؟ فالإقليم يزخر بأبناء وكفاءات تعرف تفاصيله وتعيش قضاياه، كما أن هناك وجوهًا جديدة تحمل تجارب وأفكارًا مختلفة وتستحق أن تُمنح فرصة.
والإنصاف يقتضي القول إن المرشحين ليسوا جميعًا في الخانة نفسها؛ فهناك من حاول الحضور والترافع وطرح الأسئلة، وإن اختلف تقييم حصيلته، وهناك من ظل حضوره محدودًا ولم يقدم الإضافة المنتظرة.
لذلك، فإن انتخابات 2026 يجب ألا تختزل في أسماء تتكرر وخطابات موسمية، بل ينبغي أن تكون مناسبة لمحاسبة الحصيلة واختيار من يملك الكفاءة والنزاهة والتجربة والرؤية والقدرة الحقيقية على الترافع عن بنسليمان، ويملك تصورًا واضحًا للإقليم، ويعرف كيف يترافع عن ملفاته، ويستثمر فرصة مونديال 2030، ويحوّل موقعه السياسي إلى نتائج ملموسة تخدم سكانه.





