دكالة 24:
لم يكن الحديث في سيدي بنور، خلال الأيام الأخيرة، عن برنامج سياسي جديد، ولا عن حلول لأزمة البطالة أو الفقر أو التهميش، ولا عن مستقبل الشباب الذي يطارد فرص العمل بين المدن والحدود. كان الحديث عن الوليمة.
نعم، عن المائدة العامرة التي رافقت لقاءً سياسيًا حضره الأمين العام لحزب سياسي ، إلى جانب مرشح الحزب بقليم سيدي بنور.
لقاءٌ بدأ على إيقاعات «الشطيح والرديح» وأنغام عبيدات الرمى، وسط التصفيق والضجيج والكلمات المرتجلة. أما السياسة، فقد بدت مجرد ضيف ثقيل على حفل كانت البطولة فيه للأطباق والموائد وروائح اللحم والدجاج التي انتشرت في المكان، واستدعت ــ على ما يبدو ــ كل من يملك حاسة شم انتخابية قوية.
حين تنادي رائحة اللحم… تصمت الشعارات
لم يكن الجميع هناك ليستمع إلى حديث عن البرامج أو الإصلاح أو التنمية أو العدالة الاجتماعية.
بعضهم، بكل بساطة، جاء لأن السياسة أصبحت قابلة للمضغ.
جاءت الجحافل بسياراتها الفارهة وألسنتها المشحوذة ومعدتها الخاوية، بحثًا عن نصيبها من «المهضومات»، وكأن المشهد لا يتعلق بلقاء سياسي، بل بموسم كبير لتوزيع الغنائم.
وما دام الأمر يتعلق بمائدة عامرة، فلا عجب أن تحضر «الزواحف الانتخابية»؛ فتلك، كما يقول التعبير الساخر، تمشي على بطنها قبل أن تمشي على قناعاتها.
إنها كائنات انتخابية موسمية، تختفي طوال السنوات، فلا صوت لها في الدفاع عن الفقراء، ولا أثر لها في معارك التنمية، ولا حضور لها عندما يتعلق الأمر بمساءلة المسؤولين. لكنها تستيقظ فجأة حين تبدأ رائحة الانتخابات في الانتشار، وتصبح أكثر نشاطًا عندما تختلط رائحة السياسة برائحة الشواء.
من البروليتاريا إلى «المرقة و الدغميرة »
كان من الممكن أن نناقش البروليتاريا والصراع الطبقي والرأسمالية المتوحشة، وأن نستمع إلى خطابات سياسية تتحدث عن المواطن وكرامته وحقوقه.
لكن يبدو أن «المرقة و الدغميرة » كانتا أكثر إقناعًا من كل النظريات السياسية. فما جدوى الحديث عن الفقراء أمام موائد مليئة بالطعام؟
وما معنى الدفاع عن البسطاء إذا كانت أصواتهم تُستدعى، كلما اقتربت الانتخابات، عبر الطريق الأقصر إلى المعدة؟
لقد تحول المشهد، في لحظة واحدة، إلى صورة مكثفة عن جزء من الرداءة التي تلاحق الممارسة الانتخابية: مواطن يُستدعى، لا باعتباره صاحب رأي، بل باعتباره رقمًا انتخابيًا؛ وصوتًا يمكن استمالته؛ وحضورًا يمكن تأمينه؛ ومعدة ينبغي ملؤها قبل أن تتوجه إلى صندوق الاقتراع.
لو كان الأمر عرسًا لصفقنا!
لو كان اللقاء حفلًا لتوقيع كتاب، لصفقنا للكتاب وصاحبه.
ولو كان عقيقة لمولود جديد، لزغردت النساء وفرح الجميع.
ولو كان مناسبة اجتماعية خاصة، لما وجدنا ما نقوله.
لكن أن تتحول مناسبة سياسية، يفترض فيها أن تكون فضاءً للنقاش والإقناع والتنافس بين الأفكار، إلى وليمة انتخابية مفتوحة، فهنا يصبح السؤال مشروعًا: ماذا نريد من المواطن بالضبط؟ هل نريد مواطنًا يفكر؟ أم نريد معدة تمتلئ ثم تصوت؟
هل نريد ناخبًا يسائل المرشح عن برنامجه؟ أم نريد صفًا طويلًا ينتظر دوره في «بضع تغميسات في المرقة »؟ فأصوات الفقراء ليست للبيع… ولو بدت كذلك ، و المفارقة الأكثر إيلامًا أن هذه الولائم تُقام أحيانًا قرب مناطق يعرف سكانها الفقر والهشاشة والحرمان أكثر مما يعرفون الوعود الانتخابية.
هناك، حيث يحتاج الناس إلى مدرسة ومستشفى وفرص شغل وطرق وماء وتنمية، تأتي السياسة محمولة على طبق.
وهناك، حيث يفترض أن تكون كرامة المواطن أساس العلاقة بينه وبين المنتخب، يصبح الطعام وسيلة للتقرب.
لكن لنتوقف لحظة ، هل يمكن اختزال صوت إنسان في قطعة لحم أو وجبة عابرة؟
إن أخطر ما في هذه الممارسات ليس الطعام نفسه، فإطعام الناس ليس جريمة، والضيافة قيمة اجتماعية أصيلة. الخطر يبدأ عندما تصبح الضيافة جزءًا من منطق الاستمالة الانتخابية، وحين تتحول المائدة من فضاء للكرم إلى أداة لشراء القبول أو صناعة الولاء. عندها لا نكون أمام ممارسة سياسية، بل أمام تجارة رخيصة في الفقر.
كلوا واشربوا… ثم تذكروا ، لذلك، لا يسعنا إلا أن نقول ، كلوا واشربوا، فليس الفقير مطالبًا بأن يرفض الطعام ليبرهن على وعيه.
كلوا واشربوا، لكن تذكروا أن الدجاجة لا تبني مدرسة. وأن قطعة اللحم لا تعالج البطالة. وأن «التغميسة في المرقة » لا تشق طريقًا ولا توفر منصب شغل ولا تعالج مريضًا.
كلوا واشربوا، لكن حين تدخلون إلى صندوق الاقتراع، اتركوا بطونكم خارجًا وأدخلوا عقولكم معكم. فالصندوق لا يحتاج إلى معدة ممتلئة، بل إلى ذاكرة لا تُشترى.
وفي النهاية، لعل أكبر ما تحتاجه سيدي بنور ليس المزيد من الولائم، ولا المزيد من «الشطيح والرديح»، ولا المزيد من الوجوه التي تستيقظ كلما اقترب موسم الانتخابات.
إن ما تحتاجه المدينة هو نخبة حقيقية ، نخبة لا تُشترى بالموائد، ولا تبيع مواقفها مقابل التزكيات، ولا تعتبر المواطن مجرد رقم انتخابي، ولا تكتشف الفقراء فقط عندما تصبح أصواتهم مطلوبة.
أما أولئك الذين يحاولون تحويل السياسة إلى مأدبة موسمية، فنقول لهم ، استمروا في ملء الصحون إن شئتم، لكن لا تراهنوا كثيرًا على فراغ العقول. فالمعدة قد تجوع غدًا، أما الذاكرة، حين تستيقظ، فقد تكون أشد قسوة من كل صناديق الاقتراع.
والسؤال الذي يبقى معلقًا ، هل نحن أمام لقاء سياسي؟ أم أمام موسم انتخابي تُوزع فيه الوعود على المنصة… والوجبات تحت الخيمة؟






